Site icon سيد عبد العزيز | Sayed Abdel Aziz

اعتراف الشاهد بعد الصمت – مقطع روائي

لم أتكلم وقتها. ليس لأنني لم أرَ، بل لأن بعض الرؤى تُثقل اللسان.
خرجتُ من الخدمة، وبقيتُ في الحكاية، والآن فقط، بعدما سقطت الألقاب وبقيت الذاكرة، أقول:
لم تكن الأمور بريئة كما بدت. في ليالٍ كثيرة، حين كانت المكاتب تُغلق واحدًا تلو الآخر، كنت أرى القناع ينزلق ببطء.
لا ضجيج، لا فضيحة، فقط أشياء صغيرة تؤلم أكثر من الجرائم الكبيرة:
توقيع لا يكتمل، رقم يعود للظهور كأنه لم يُستخدم من قبل، واسم واحد… يُكتب بصفتين.
كنت أعرف ماذا يعني أن يعمل شخص عملاً واحد، ثم يُؤجر عنه مرتين.
كنت أعرف ألم الورق حين يُجبر على الكذب، وألم العرق حين يُسجَّل بأسمين.

رأيتهما منذ كانا لا شيء.
موظفين صغارًا، يحملان الطموح أكثر مما يحملان الخبرة. لم أخف عليهما من الفشل، بل خفت عليهما من النجاح السريع… ذاك الذي لا يُعطي الوقت للضمير كي يلحق به.

سمّوه تعاونًا. وسمّوه مساعدة.
لكنني كنت أرى جهد واحد،
مقابل أجران، وصمتٌ يتقاسم الذنب.
ومع الأيام، تعبت الأرقام من التضخم، والحسابات تعلّمت الانتفاخ، والمناصب جاءت كمن يكافئ الغدر لا الجهد الحقيقي.
اثنان من الطموحين، اختار كلٌ منهما أن يصطحب الآخر بصفته مساعد له، كي “يخرجا” ماذا؟
لا شراكة مُعلنة ولا تعاقد واضح، وإنما ترتيب ذكي مكّن كل طرف من الانتفاع المالي المزدوج عن جهد واحد، وكأن المرايا قررت أن تعكس نفسها لأول مرة، في أجران عن ذات الجهد.

وبدأت الأرقام تتضخم، والحسابات تنتفخ، والمواقع تتبدّل. خرجا من الهامش إلى الضوء، ومن الصفوف الخلفية إلى مقدّمة المشهد. صار اسماهما يُتداولان بوصفهما نموذجًا للصعود، حتى صار المثال يُقدَّم — للأسف — بوصفه قصة صعود من الصفر في المظهر، والباطن صارا دليلًا على المصابرة في إعادة توصيف الواقع زيفاً.

صعدا، وأنا شاهدت الصعود بألم. لا لأنني كنت صمتهما، بل لأنني رأيت الأرض تحت أقدامهما من ورق. حين بدأ يسقط البناء، رأيت الارتباك في العيون، والإنكار في الأصوات، وإعادة كتابة القصة كمن يحاول إنقاذ نفسه من الحقيقة.

سألت نفسي طويلاً، ولم أسألهم: هل كان هذا خطأً؟
أم كان اختيارًا؟
تعلمت متأخرًا أن الطموح حين يفقد اسمه، يُسمّى تحايلاً.
وأن الذكاء حين يتجاوز حدوده، يصبح سرقة صامتة، في جوائز دون منافس، والقاب دون صفه حقيقية.
هذه ليست إدانة، فالإدانة تحتاج محكمة.
وهذا ليس اعترافًا، فالاعتراف يكون عن ذنب صاحبه.
إنها مرثية شاهد.
لصعودٍ لم يكن مستحقًا، ولأجرٍ غير مستحق دُفع مرتين عن عملا واحد، ولصمتٍ طال… حتى صار الكلام وجعًا.

ويبقى السؤال، بعدما انتهت الخدمة وظل الضمير يطاردني:
هل كل من صعد، صعد بحق؟
أم أن بعض النجاحات الزائفة… لا تُحاسَب إلا حين يشيخ شهودها؟

هي ليست قصة أشخاص، بل ظاهرة يجب ان تسأل عن مصدر ثراءها. وهذه ليست إدانة، بل سؤال مفتوح:
هل يُقاس النجاح بما نراه، أم بما يُقال زيفا ويروج له كذبا؟

ويبقى القانون — إن طُبّق — هو الفاصل بين الحكاية والواقع.

ابتسم القاضي بألم وقال “عايز تقول حاجة تانية” صمت الشاهد لحظات ثم ظهرت تشققات وجهة وقال “نعم يا سيادة القاضي” ثم نظر الي الحضور وفي اعينهم ترقب شديد، وعيون القاضي تعطية الموافقة “تكلم” …….

“فتاة منتصف الساعة”.. رواية
ما بين الواقع والخيال، حقائق لا يراها الجميع.

*رواية من وحي خيال المؤلف، واي تشابه في الاحداث او الأشخاص او المواقع فهو من محض المصادفة ولا يمت للواقع بصله من قريب او بعد، ودون ادني مسئولية علي المؤلف.

Exit mobile version