ذاتُ يومٍ، وبينما كنتُ أقف في ساحة المحكمة بصفتي مجنيًا عليه ومدعيًا بالحق المدني بعد الحكم لصالحي في اول درجات التقاضي، أُطالع “رول الجلسات” في هدوءٍ يليق بالمكان، امتدت نحوي يدٌ غليظة قطعت عليّ سكون اللحظة.
“إنت إيه اللي جابك؟ إنت ما عندكش دم!”
استدرتُ ببطء. كان الصوت مشحونًا بغضبٍ متكلف، وملامحُه أعرفها جيدًا؛ زوجُ المتهمة التي صدر بحقها حكمٌ أول درجة. لم يكتفِ بالسؤال، بل راح يستكمل مشهدًا فوضويًا أمام العامة، يتلفظ بألفاظٍ خارجة، ويقترب أكثر حتى لامست يده كتفي، يهزّه في استفزازٍ فجّ.
“إنت مش بتضربني ليه؟ اضربني! اضربني! أنا عايزك تضربني يا ابن الـ…”
كانت الكلمات تُقذف في وجهي كحجارة، تنتظر شرارة. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تنقلب الساحة إلى معركة، وأن تتحقق غايته الخبيثة: قضيةٌ مقابل قضية.
لكن سكينةً غريبة هبطت على قلبي. شعرتُ بها كيدٍ خفيةٍ تمسك بانفعالي قبل أن ينفلت. ابتسمت. نعم، ابتسمت. وضعتُ يدي في جيبي، وصمتُّ.
الصمتُ كان أبلغ ردّ.
لم يحتمل المشهدُ هذا الهدوء. التفّ الحضور من حولنا، وتقدمت سيدةٌ مسنّة بخطواتٍ ثابتة، وقالت بلهجةٍ صادقةٍ حازمة: “إنت بتعمل إيه يا راجل؟ ده قدّ ولادك، وأهله ربّوه ومش عايز يرد عليك.”
التفت إليها غاضبًا: “وانتي مالِك يا وليّة؟ أنا عايز الحرس! ده عايز يضربني! الحقني يا حرس!”
فأجابته دون تردد: “هات الحرس، وإحنا كلنا هنشهد معاه. الولد ما فتحش بقه بكلمة. إنت اللي مش محترم.”
كان المشهد يتبدل. لم أعد وحدي. رجالٌ ونساءٌ لا أعرف أسماءهم التفوا حولي كجدارٍ بشري، بعضهم يمد لي هاتفه قائلاً: “إحنا شهود معاك.” آخرون يصورون ما يحدث. كاميرات المكان كانت ترصد، والهواتف تسجل، والحق يثبت نفسه في صمت.
وقفت السيدة إلى جواري وقالت:
“خليك جنبي هنا… إنت لاقيت جلستك؟”
أجبتها: “لأ.”
ثم اتضح أن أوراق الاستئناف لم تُرسل من التنفيذ، في محاولةٍ لتعطيل نظر القضية. كل شيء بدا مرتبًا: تعطيلٌ هنا، واستفزازٌ هناك، واستدراجٌ مقصود لخطأٍ يُستثمر. كان ينتظر مني ضربةً واحدة… كلمةً واحدة… لينسج منها اتهامًا جديدًا.
سألني أحد الحضور عن سبب اندفاع الرجل، فقلت بهدوء: “واخد حكم على المدام بتاعته.”
فجاء الرد من بين الجمع: “بدل ما يعتذروا أو يسعوا للصلح، بيلفّقوا اتهامات للناس بالباطل… فعلًا ناس…”
لم أعلّق. لم أكن بحاجةٍ إلى تعليق. المشهد كله كان يتكلم.
حين أستعيد تلك اللحظة الآن، لا أرى فيها إلا يدًا امتدت تريد الفوضى، وسكينةً سبقتها فأطفأت نارها. أرى امرأةً مسنّة وقفت في صف الحق دون أن تعرفني، وأناسًا غرباء صاروا شهود عدلٍ في لحظة امتحان.
كان الله حاضرًا… في الإلهام الذي كبح غضبي، وفي السكينة التي غمرت صدري، وفي الجبر الذي جاءني على هيئة بشرٍ لا أعرفهم.
أما هم… فقد تركوا خلفهم مشهدًا حزينًا في مكانٍ كان ينبغي أن يكون عنوانًا للعدل والوقار. كم أضرّوا بواجهته، وكم أرهقوا الناس بأفعالهم.
حتى بلغ الأمر هذا الحد، بما يكشف أن بعض مظاهر الخلل في المشهد الإعلامي ليست وليدة لحظة أو انفعال فردي، وإنما تعكس قصورًا في آليات الضبط والرقابة المؤسسية، وغياب معايير واضحة تضمن الكفاءة والالتزام المهني.
وما هي إلا أيام…
حتى صدر حكم الله.
“فتاة منتصف الساعة”.. رواية
ما بين الواقع والخيال، حقائق لا يراها الجميع.*رواية من وحي خيال المؤلف 🤔 ، واي تشابه في الاحداث او الأشخاص او المواقع فهو من محض المصادفة ولا يمت للواقع بصله من قريب او بعد، ودون ادني مسئولية علي المؤلف.