في مساءٍ هادئ من أمسيات يناير 2023، كنت أجلس في مكتب مدير إداري، لا لشيء إلا انتظار إجراءٍ روتيني لا أكثر. كان برفقته إحدى المرؤوسات، ودار بينهما حديث لم أكن طرفًا فيه، ولا معنيًّا به من قريب أو بعيد. غير أن الكلمات التي تطايرت في الهواء أمامي لم تكن عابرة، بل كانت مشحونة بإيحاءات فجّة، تتعلق بزميلةٍ سبق لي العمل معها، وكنت أتجنبها في الحاضر عمدًا.
كان الحديث عنها يأخذ منحى غير لائق، أقرب إلى السخرية الممزوجة بالتلميح. قال المدير، وهو يبتسم ابتسامةً غامضة:
“فيه جزاء شفهي جاي لها من مسؤول أعلى، وطلب مني أبلّغها وتيجي له مكتبه.”
ثم استرسل ضاحكًا:
“كلمتها تليفون، قالت هتيجي وتحط شوية أحمر وأخضر مع ضحكتين حلوين، ويخلص الجزاء!”
وضرب بكفه على المكتب وأضاف:
“قلت لها أيوه كده براحتك، وهو أكيد طالبك عشان كده.”
ردّت السيدة الجالسة بجواره بدهشة مصطنعة:
“هو فيه حاجة اسمها جزاء شفهي؟”
فأجابها بلا مبالاة:
“أنا اللي أعرفه: إنت عايز تجازيها جازيها، بس ليه تطلبها مكتبك؟ أرزاق وهي حرّة، بس شاطرة”
ابتسمت هي وقالت في نبرة ذات مغزى:
“أرزاق.”
كنت صامتًا، لكن ملامحي انقبضت، وكأن قسوة ما سمعت ارتسمت على وجهي دون إذن مني. شعرت، لوهلةٍ غريبة، أن الله يرسل لي ومضة من المستقبل، وأن وجودي في هذا التوقيت لم يكن مصادفة، بل ترتيبًا إلهيًا لكشف وتيرة خفية سيكون لها مغزى كبير لاحقًا.
ولم تطل المسافة بين الومضة واليقين. بعد يومين فقط، كنت أقف في بهو الاستقبال أنتظر ضيفي. فجأة رأيتها أمامي: نفس الزميلة التي دار حولها الحديث. كانت تهبط السلم بثيابٍ مطابقة لما وُصف أمامي حرفيًا، تتزيّن بالأخضر والأحمر، وبمكياج صاخب لا يخفى على عين. استوقفتها إحدى العاملات وسألتها بفضول:
“عملتي إيه؟”
فأجابت مبتسمة:
“شال الجزاء.”
عندها اكتمل المشهد في رأسي كصورة فوتوغرافية لا تحتمل الشك.
مرّ نحو شهر، وثبت بين يدي مخالفات جسيمة في إدارة برامج بشكل غير قانوني. في الظاهر، كانت الأسماء المتورطة في هذا الملف الأول أسماء زملاء آخرين، لكن ضميري لم يسمح لي أن أغمض عيني. وقفت بين خيارين: الصمت حفاظًا على العلاقات، أو المواجهة حفاظًا على الأمانة. اخترت الطريق الأصعب. أبلغته أولًا، ثم أبلغت من يرؤسه.
وهنا بدأت المؤامرة.
تحركت المكائد في الخفاء، واستُخدمت نفس العناصر النسائية التي سمعت حكاويهن ذات يوم، لكن هذه المرة ضدي أنا. وُجِّهن نحوي في السياق ذاته الذي اعتادوه: تشهير، إيحاءات، ضغوط نفسية، وكأن الرهان أن أخضع خوفًا، أو أن أتراجع حفاظًا على سمعتي.
ثم جاءت الصدمة الكبرى:
اكتشفت أن من أبلغتهم، وعلى رأسهم الراوي الأول لتلك القصة الفاضحة، هو العقل المدبر لكل شيء. هو من كان يخطط ويدبّر ويوجّه الجميع. هو من كان ينصح بتلك الأفعال المهينة. وهو ذاته من كان على علم كامل بكل المخالفات المالية والإدارية ويدعوا إليها .
ومع توالي التحقيقات في وقائع الإساءة والتشهير، تكشّف لي وجهٌ آخر أكثر خبثًا للمؤامرة.
وجدت في أقوال تلك الزميلة نفسها — التي دار حولها الحديث المشين يومًا في المكتب، والتي افتعلت لاحقًا مواقف مقصودة لإيذائي — أنها تقول للمحققين إن مديرها أخبرها، وإن مديرتها أكدت لها الأمر ذاته.
والمفارقة المرة أن هذين الاسمين تحديدًا هما نفس الشخصيتين اللتين سمعتُهما بأذني ينهشان سمعتها في وجودي، ويتبادلان التلميحات والإيحاءات الفجة عنها بلا أدنى حياء.
حينها أدركت أن الدائرة كانت أوسع وأدهى مما تصورت. وراودني سؤال أكثر رعبًا:
هل كان المقصود أصلًا أن تُروى تلك الحكايات عنها في حضوري يومها، على أمل أن تنتقل عبر لساني، فتُبنى التلفيقات عليّ وقائع إساءة جاهزة؟
هل كانت تلك هي الحلقة الأولى في سيناريو إخراج محكم، يبدأ بزرع الكلام، وينتهي بتثبيت الاتهام ضد الضحيه؟
لكن ما لم يحسبوا حسابه، أنني لم أكن يومًا ناقلًا للغبار ولا وسيطًا للعار.
لم أنقل حرفًا، ولم ألمّح، ولم أشارك في لغط.
بل على العكس، كان خياري الوحيد هو التجنب الكامل لأي احتكاك بها، أو بأي شخصية تدور في فلك هذا المستنقع.
وهكذا، جاءت التحقيقات لتعرّي المشهد كله دفعة واحدة:
تلفيق الاتهامات،
توجيه الشهادات،
اصطياد الضحايا،
وصناعة أبطال زائفين من طينة الفساد.
فلم تعد القضية مجرد إساءة أو نميمة عابرة،
بل انكشفت بوصفها منظومة متكاملة من الشر المحكم، تدار بعقل واحد، وتُنفَّذ بأيدٍ متعددة، وتسقط أمام أول ضوء حقيقي للحقيقة.
لقد استغل زعيمهم حسن نيتي، وأوهمني في بداية الامر -حين كشفت المخالفات- أنه لا ناقة له ولا جمل، وحاول أن يوجّهني ليحكم الحبكة الإخراجية كاملة: يسيطر على النتائج، يحرّك الآخرين للضغط من جهة، ويهددني من جهة أخرى، وينشر شائعات منحطة في محيط تحركاتي. كان يريد إسقاطي أخلاقيًا قبل إسقاطي وظيفيًا.
لكن ما كان مني إلا أن تمسكت بالأمانة.
أثبتُّ ولائي لعملي ولوطني، وجمعت كل ما لدي من مستندات وأدلة، وسلّمتها لجهات التحقيق. انتهى الأمر بإحالتهم جميعًا إلى القضاء. لم يكن لي شأن بأفعالهم في ذاتها، إلا بقدر ما وُجّه منها نحوي شخصيًا.
ورغم كل ذلك، لم يكن الغضب هو الشعور الأعمق في داخلي، بل الحزن. حزن على مشهد مخزٍ لرجل يستخدم النساء أدوات للوصول إلى أهدافه.
وحزن على أشخاص كنت أراهم في صورة جميلة، سقطت فجأة متناثرة الأطراف من موقع رفيع في نظري.
كنت أبكي، لا عليهم، بل على الصورة التي كنت أحتفظ بها لهم، والتي تبيّن لي أنها لم تكن إلا سرابًا.
في منطقهم ، كانت الخيانة هي أن لا أستر على جرائمهم. أما خيانتهم لعملهم، ولوطنهم، ولأخلاقهم، فلم يروا فيها بأسًا.
صار الإبلاغ عن خيانتهم جريمة في عرفهم، وصار الفساد بطولة جماعية.
وهكذا، اكتملت الدائرة: مؤامرة مُحكمة، وشر مدروس، وأقنعة سقطت واحدًا تلو الآخر. لكن في قلب هذا الظلام، كانت تدابير الله أوسع وأدق.
رتّب المشهد من مقعدٍ في مكتب، إلى سلم نزول، إلى ملف تحقيق، الي حكم محكمة، حتى لا تبقى الحقيقة حبيسة الصدور، بل موثقة في أوراق القضاء.
تعلمت يومها أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تخطئ الطريق، وأن من يحفر حفرة لغيره، قد يقع فيها أولًا… أو يقع فيها جميع من اشترك معه.
ومازالت التحقيقات جارية…..
لحظة صمت ثم نظرت ليلي الي الأوراق قائلة “هل انتهيت”…..
فتاة منتصف الساعة… رواية
ما بين الواقع والخيال، حقائق لا يراها الجميع*الرواية من وحي خيال المؤلف، واي تشابه في الاحداث او الاشخاص او الزمان او المكان فهو من محض المصادفة ولا يمت للواقع بصله من قريب او بعيد، ودون ادني مسئولية علي المؤلف.